فصل: باب: ما يجزىء من الكسوة في الكفارة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.باب: لغو اليمين:

قال: "لغو اليمين ما يجري على لسانه... إلى آخره".
11730-قال الله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225]، أراد ما قصدت قلوبكم، وقال تعالى في سورة المائدة 89: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ} وعقّدتم بالتشديد والتخفيف، والمعنى القصد أيضاً، فلغو اليمين عندنا ما يجرى في أثناء اللِّجاج، كقول القائل: لا والله، وبلى والله، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "لغو اليمين قول الإنسان لا والله وبلى والله " وهذا الباب على صغر حجمه يحتاج فيه إلى ثَبَت؛ فإن مثل هذا لو كان طلاقاً، لوقع الحكم بوقوعه، وكذلك لو جرى العِتاق على هذا الوجه، جرى الحكم بنفوذه، وليس القائل لا والله على خبل، أو في حال زوال عقل، وليس يلتف لسانه، فيجري بهذه الكلمة من غير قصد.
وقد نصّ الشافعي وأجمع الأصحاب على أن لغو اليمين ما يُجريه الإنسان في أثناء الكلام في هيْج غضب أو احتدادٍ في لجاج، فيقول: لا والله وبلى والله، والوجه في ذلك أن الناس يجرون أمثال ذلك إجراءً عامّاً، ولا يجردون القصدَ إلى عقد يمين، ولكنهم يتكلمون به اعتياداً من غير قصد في عقد يمين، وما جرى اعتيادٌ بإجراء الطلاق والعِتاق.
والباب مُدار على ما يصدّقه العرف، فلو ادعى مطلِق اللفظ في الطلاق أنه أجراه لغواً، فالظاهر يكذبه، ومن كذبه الظاهر، لم يصدَّق، واللفظ صريح في وضعه، حتى لو جرى ممن يقول لا والله ما يدل على قصده في اليمين، فالذي جاء به ليس لغواً.
وخرج من مجموع هذا أن اللغو هو الذي يجري من غير أن يخطر فيه عقدُ اليمين، والجريان فيه على هذا الوجه عامّ.

.باب: الكفارة قبل الحِنث:

قال الشافعي: "ومن حلف على شيء، وأراد أن يحنث، فأحبُّ إلي لو لم يكفر حتى يحنث... إلى آخره".
11731- ما ذهب إليه أئمة المذهب أن الكفارة لا تجب قبل الحنث، وفي بعض التصانيف أن من أصحابنا من قال: تجب الكفارة باليمين، ووقتُ إخراجها الحِنث، وهذا كلام سخيف، لا يجوز عدُّه من المذهب، على أنه لا جدوى فيه ولا فائدة، وهو هجوم على المخالفة.
ثم من حلف وأراد التكفير قبل الحِنْث، نُظر: فإن كان التكفير بمالٍ، فالحنث لا يخلو: إما أن يكون محظوراً، وإما أن لا يكون محظوراً، فإن لم يكن محظوراً، فالتكفير قبل الحنث جائز مجزىء عندنا، وإن كان محظوراً محرماً، مثل أن يقول: والله لا أشرب الخمر، فإذا أراد التكفير قبل الحِنث، ففي إجزائه وجهان: أقيسهما- الإجزاء، طرداً للقياس.
ومن أصحابنا من قال: لا يجزىء التكفير قبل الحنث في هذه الصورة؛ لأن الحكم بتجويزه يُشابه تثبيت ذريعة إلى الإقدام على المحظور؛ والأول أصح؛ لأن الحظر في الفعل ليس من حَيْثُ اليمين، ولكنه محظور في نفسه، فإذا وقع النظر في اليمين وكفارتها، ولم نجد لليمين أثراً في اقتضاء التحريم، فكما لا يتغير المحلوف عليه باليمين، لا يتغير حكم اليمين بالمحلوف عليه.
11732- والذي ذهب إليه أئمة المذهب أن الحالف لو أراد التكفير بالصوم قبل الحنث لم يجزئه ذلك، بخلاف التكفير بالمال؛ فإن الصوم من العبادات البدنية، والمقصود بها امتحان الأبدان، فيجب اتباع موارد النصوص فيها تأقيتاً وقدْراً، وكيفيةً، فلذلك لا يجوز تقديم الصيام المفروض على وجوبه، ويجوز تقديم الزكاة على وجوبها بحولان الحول.
وذكر الخلافيون وجهاً في تجويز تقدم الصوم على الحنث، وهذا متجه بعضَ الاتجاه تعلقاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «فليكفر عن يمينه، ثم ليأت الذي هو خير»، ولم يفصل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين التكفير بالمال وبين التكفير بالصوم، وما ذكره بعض المصنفين من أن الكفارة تجب باليمين نفسِه يؤكد هذا، ومن نظر في تصاريف كلام نقلة المذهب، اطلع على رمزهم إلى ما حكاه الخلافيون، ولكن المذهب المعتمد ما قدمنا ذكره، وهو معتضد بترتيب الصوم في كفارة اليمين على الخصال المالية، ومعنى ترتبه عليها ألا يتحول المكفر إليه ما لم يتحقق عجزه عن الخصال الثلاث، وإنما يتحقق العجز عند وجوبها، فإذ ذاك يستبان العجز والقدرة.
11733- والصائم في نهار رمضان إذا قدّم التكفير ثم واقع، فالمذهب المبتوت أن الكفارة لا تقع الموقع، كذلك القول في المُحْرِم إذا قدم كفارةً على موجِبها، ولا فرق بين أن يكون التكفير بالمال وبين أن يكون بالصوم، وذكر أئمة المذهب في المناسك وجهين آخرين مع ما ذكرناه.
فتجمع مما نقلوه ثلاثةُ أوجه: أحدها: المنع، كما قدمنا، والفرق بين هذه الكفارات وكفارة اليمين أن الإحرام ليس سبباً خاصاً في الكفارة، وكذلك الصيام، بل الإحرامُ والصيام بالإضافة إلى الكفارات عند ارتكاب المحظورات بمثابة الإسلام في التزام الأحكام، والدليل عليه أن الكفارة في لسان الشرع منسوبة إلى اليمين قال الله تعالى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89]، وفي قوله: {إِذَا حَلَفْتُمْ} إشعار بأن التكفير جائز كما تحقق الحلف؛ فإنه عزّ من قائل لم يقل: "إذا حنثتم".
والوجه الثاني- أن تقديم الكفارة جائز في الإحرام والصيام، قياساً على كفارة اليمين.
والوجه الثالث: أن موجِب الكفارة إن كان بحيث يجوز الإقدام عليه لحاجةٍ، فتقديم الكفارة عليه جائز، وهذا بمثابة حلق الرأس لأجل الأذى، أو لبس المخيط للضرورة الملجئة إليه في برد شديد أو مكاوحة قمال.
وكان شيخي يقول: المذهب المعتمد تجويز التكفير قبل الحِنث بالمال، وذكر الخلافَ فيه إذا كان الحِنث محظوراً، والمذهب القطع بمنع تقديم الكفارة في الإحرام والصوم إلا إذا كان موجِبُ الكفارة سائغاً، ففيه الخلاف، وكان يقول: إذا جوزنا تقديم الكفارة في الإحرام مثلاً عند جواز الإقدام على موجِب الكفارة، فلو كانت الكفارة على التخيير لا يترتب الصوم فيها على المال، فعند ذلك يظهر تخريج الخلاف في تقديم الصوم أيضاً وكأنَّ منع تقديم الصوم في كفارة اليمين معلل بعلتين: إحداهما- أنه بدني، والثانية- أنه مترتب، فإذا فقد أحد المعنيين، ظهر جريان الخلاف، فهذا ما أردنا أن نذكره.
11734- ولو جرح رجل رجلاً، وكان المجروح لما به، أو لم يكن كذلك، ولكن اتفق سريان الجرح إلى زهوق الروح، فلو قدم الجارح الكفارةَ على زهوق الروح، فالذي قطع به الأصحاب تجويز ذلك؛ فإن الجرح سبب ظاهر، وقد نسميه قتلاً، وقال الشيخ أبو علي: من أصحابنا من خرج تقديم الكفارة على زهوق الروح على الخلاف الذي ذكرناه في تقديم الكفارة على السبب المحظور في الحنث، وهذا لا اتجاه له؛ فإن وقوع القتل ليس فعلاً مبتدأً يوصف بالحظر، وإنما يتعلق الحظر بالجرح الذي سبق الإقدام عليه، وقياس ما ذكره الشيخ أنه لو حلف: لا يقتل فلاناً، ثم جرحه، وقدّم تكفير اليمين على وقوع الزهوق، فيُخرَّج إجزْاء الكفارة على الوجهين، وهذا بعيد.
وأحسن الطرق في ذلك ما كان يذكره شيخي قال رضي الله عنه: يجوز تقديم التكفير على زهوق الروح مذهباً واحداً إذا كان التكفير بالمال، وهو الإعتاق، وإن أراد تقديم الصوم، ففي المسألة وجهان مع جرياننا على أن الصوم لا يقدم على الحنث، وكان يبني الوجهين في التكفير بالصوم في مسألة الجَرْح على الخلاف الممهد في أن صفات الكفاءة إذا ثبتت بعد الجرح قبل زهوق الروح، فهل يجب القصاص؟ وقد مهدنا ذلك في كتاب الجراح عند ذكرنا طريان الإسلام والحرية بعد الجرح قبل الزهوق، وهذا حسن متجه، ولا يبعد في مثل ذلك مذهبُ التبيّن عند وقوع الزهوق، حتى نقول: نتبين وجوبَ الكفارة قبل الزهوق.
ومما يتصل بهذا المنتهى الظهارُ والعود، والذي رأيته للأصحاب أن الظهار والعود بمثابة اليمين والحنث في كل تفصيل، والأمر على ما ذكروه، والذي يحقق ذلك أن الكفارة منسوبة إلى الظهار، كما أنها منسوبة إلى اليمين.
11735- ثم عماد المذهب بعد ذكر المسائل من طريق المعنى أن اليمين سبب خاص في إيجاب التكفير، والتكفير معزيٌّ إليها، كما أن الزكاة معزيّة إلى المال؛ فتقديم الكفارة على الحنث بعد اليمين كتقديم الزكاة على حولان الحول بعد انعقاد الحول، ولا يخفى أن التكفير قبل اليمين غيرُ معتدّ به، كما أن الزكاة قبل كمال النصاب، أو قبل ملك المال أصلاً غير معتدٍّ بها.
11736- وقد تفرقت مذاهب العلماء في الزكاة والكفارة، فجوز أبو حنيفة تعجيلَ الزكاة، ومنع تقديم الكفارة على الحِنث وعكس مالكٌ الأمرَ، فمنع تعجيل الزكاة، وحمل ما ورد فيه على استقراض الإمام من أرباب الأموال، وجوز تقديم التكفير للخبر الصحيح، وقد نقل الأثبات استسلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة، وجوز الشافعي التقديم في البابين، ثم قال الفقهاء: من عجّل الزكاة، ثم تغيرت حال آخذها، فقد لا تقع الزكاة موقعها، والأمر في الكفارة على هذا النحو، فلا فرق بين البابين.
ولا وجه لإعادة تلك التغايير، فإنها عويصة، وقد جرت على أحسن مساقٍ في كتاب الزكاة.
ثم ذكر الشافعي باباً في الحلف بالطلاق على ألا يتزوّج على امرأته، وليس هذا من مقاصدنا، وأبان أنه إذا تزوج عليها وهي رجعية، كان كما لو تزوج عليها قبل الطلاق. ومقصود الباب مذكور في قواعد الطلاق.

.باب: الإطعام في الكفارة:

11737- جرى الشافعي رضي الله عنه في كفارة اليمين على ترتيب ذِكْرِها في كتاب الله تعالى، وقد قال تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: 89]، الآية وكفارة اليمين مختصة بمزية لا توجد في غيرها من الكفارات، وهي الاشتمال على التخيير والترتيب؛ فإن الكفارات سوى هذه منقسمة: فمنها ما يبنى على التخيير، ومنها ما يبنى على الترتيب، وكفارة اليمين فيها تخيير؛ فإن الحالف يتخير بين الإطعام والكسوة والإعتاق، وفيها ترتيب؛ فإنه لا يعدل إلى الصيام ما لم يتحقق عجزه عن الخلال الثلاث، ثم وجد الشافعي الإطعام مبدوءاً به، وبعده الكسوة وبعدها الإعتاق، وبعد الخلال الثلاث الصوم على صيغة الترتيب؛ فخاض في الطعام، وأعاد مسائله، وقد استقصينا جميعها، فلا فرق إلا أن الأمداد عشرة هاهنا، وهي ستون في كفارة الظهار والوقاع، فلسنا نعيد شيئاً، وذكر بعد الكسوة الإعتاقَ، فاندفع فيما يُجزىء من الرقاب وفيما لا يجزىء منها، وقد قررنا جميع ذلك في الظهار، فلا نعيد شيئاً منها، وعقد بين الطعام والعتق باب الكِسوة، وعقد باباً في الصوم بعد الخلال الثلاث، ونحن نذكر الباب المعقود في الكسوة، ونتعدى بابَ العتق، ونذكر بعده باب الصوم، ثم نعود إلى ترتيب الأبواب والمسائل، إن شاء الله تعالى.

.باب: ما يجزىء من الكسوة في الكفارة:

قال الشافعي: "أقل ما يجزىء في الكِسوة كل ما وقع عليه اسم الكِسوة... إلى آخره".
11738- الكِسوة إحدى الخلال الثلاث في كفارة اليمين، فإذا اختارها المكفر، فيجب التمليك لا محالة، ثم الإطعام مقدّر بالأمداد، والكِسوة لا تقدير فيها، ويستحيل التعرض للتقدير فيها؛ فإن المدّ في الطعام سِدادُ الرَّغيب، وكفاية المقتصد، ونهاية الزهيد، والكِسوة لا سبيل إلى ضبطها، ولما رأى الشافعي تقدير النفقة في النكاح، لم يقدّر الكسوة، فإذا امتنع التقدير، ولم يختلف العلماء في أنا لا نوجب لكل مسكين دَسْتَ ثوب، فلم يبق بعد ذلك إلا الاكتفاء بالاسم، فكل ما يحصُل اسم الكسوة به، فالغرضُ يتأدى به ويكفي ثوب واحد: قميصاً كان، أو سراويل، أو منديلاً، أو جبة، أو رِداءً، أو إزاراً؛ فإن من سلم شيئاً من ذلك إلى إنسان يقال: كساه عمامةً، أو رداءً أو كذلك في جميع ما ذكرنا.
ثم لم يختلف أصحابنا في أنه لو تخير أطفالاً رُضعاً تواريهم الخرق، وسلم إلى قوّامهم ما يكون كِسوة في حقوقهم تمليكاً، فذلك جائز، والفرضُ ساقط؛ فإن الاسم محقَّق، ولو أعطى الرجلَ التام ما لا يكون كِسوة في حقه، ولكنه كسوة في حق الطفل، فالذي ذكره القاضي أن ذلك يكفي، ولا يشترط أن يكون المملَّك بحيث يكتسى بما يتسلمه، فلو أعطى رجالاً كسوة أطفالٍ، جاز، ولا يؤاخذ بمراعاة حال من يعطيه، وهذا عنده كما إذا أطعم الرغيب مدّاً، وهو لا يستقل إلا بأمداد؛ فالمعتبر هاهنا أقلُّ الاسم في أقل من يُكسَى، والمعتبر ثَمَّ مقدّر بالمد فأقل ما يُسمى كسوة بمثابة المد.
وقطع شيخي وغيره بأن ذلك يختلف باختلاف الآخذين، فليكن المسلَّم إلى الآخذ كِسوة له، ليقال: إنه كسا عشرة، وهذا يعتضد بقوله تعالى: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} [المائدة: 89]، فأضاف الكسوة إلى من يُكسى، والذي يحقق ذلك أن الخرقة تواري ابنَ ساعة، ويبعد كل البعد أن يكتفي الكاسي بعشرِ خِرق يعطيها عشرةً من الرجال، وسنذكر تردّد الأصحاب في إجزاء التُّبَّان، ولا يستقيم هذا الخلاف إلا بنسبة التّبان إلى الرجل الذي يأخذه، وإلا فالتُّبَّان يكسو الطفل الصغير، فقد تبين التردد فيما ذكرناه، والاحتمال فيه لائحٌ.
ثم لا يشترط أن يكون الثوب مخيطاً في نفسه، ولكن لو أعطى خرقَة كِرباسٍ يتأتى منها اتخاذ كسوة، كفى ذلك، وفيه سرٌّ، سنشير إليه في الفصل.
11739- والكلام يقع بعد هذا في الجنس المعتبر، والعيب المانع من الإجزاء، والصور التي اختلف الأصحاب فيها.
فأما الجنس، فيكفي كل ما يكتسى به، سواء كان رديء الجنس، أو فائق الجنس، أو متوسطاً، اتباعاً للاسم الذي هو أصل الباب.
قال القاضي: لو قلنا: تعتبر الكُسوة الغالبة في أهل البلد، لم نبُعد، قياساً على الطعام؛ فإنا قدمنا ذكر هذا الوجه في الطعام، وهذا الذي ذكره متجه، والمذهب المشهور ما قدمناه.
ولا فرق بين جنس وجنس، فالمتخذ من القطن، والكتان، والإبريسم، والخز، والقز، والصوف مجزىءٌ إذا كان يُكتَسى به، والكساء كسوة.
ومما يليق بذلك الدروع المسرودة، فهي ملبوسة، والمُحرم يلتزم الفدية بلبس الدرع، لأنه مُحيط بالبدن، فكان كالمَخيط، فلو ألبس مسكيناً درعاً وملّكه إياه، ففيه احتمال. والأظهر المنع؛ فإن هذا لا يسمى كُسوة، وإن كان يسمى ملبوساً، والإحرام مدار على اللبس واتباع هيئةٍ في الملبوس، والشرط تقرير كل بابٍ على أصله، والمتبع فيما نحن فيه اسم الكسوة.
ولو أعطى قلنسوة، أو مِكْعَباً وهو الشُّمُشْك، أو خفين، أو تُباناً، ففي المسائل وجهان، وسبب الاختلاف أن اللُّبس مطلقٌ في هذه الأشياء، ولا يطلق فيها الكُسوة، فهذا منشأ الخلاف، وإذا أعطى تِكّة، أو مِنطقة، لم يجزئه لانعدام اسم الكسوة واللبس جميعاً، فكان المدار على هذا، فكل مكتسٍ لابس، فإذا تحققت الكُسوة فالوفاق، وإن لم تتحقق الكسوة ولا اللبس، فلا إجزاء وفاقاً، وإن كان مطلق اللبس ولا مطلق الكسوة، ففيه الخلاف.
واختلف أصحابنا في النعل على طريقين: فمنهم من ألحقه بالخف والمِكْعب، ومنهم من قطع بأنه لا يجزىء كالمِنطقة، والأشبه تخريجه على الخلاف، فإنه يقال: لبس فلان نعليه، كما يقال لبس خفيه.
وقال مالك ينبغي أن يُعطى كل إنسان ما يستر به عورته، وتجوز صلاته معه، فهذا هو الستر الواجب الشرعي، فاتجه حمل الكُسوة الشرعية عليه، وهذا قولٌ للشافعي حكاه البويطي عنه، ومن ضرورة التفريع على هذا القول الاختلاف على حسب اختلاف الآخذين، فنعتبر في كل آخذ ما يستر عورته وأبو حنيفة أوجب كسوة سابغة كالقميص والجبة، وما في معناهما.
11740- فأما الكلام فيما يمنع الإجزاء من الصفات، فلا اعتبار بالعيوب المؤثرة في المالية التي يُثبت مثلها الردَّ بالعيب، وهذا كما أنا لا نعتبر إعتاق الرقاب في الكفارات أن تكون بريئة من العيوب المؤثرة في المالية، وإنما يعتبر ما يؤثر في العمل تأثيراً بيناً، كما تفصّل في موضعه، فاللائق بما نحن فيه النظر إلى ما يؤثر في الانتفاع؛ فإن الغرض انتفاع المكتسي بالكُسوة مع التمليك.
فلو كان الثوب بالياً، أو موفياً على البلى، لم يجز؛ فإنه قد انسحق وامّحق، وسقط معظم منافعه، وكذلك الثوب المخرق بطول البلى، وإن كان قد انخرق طرف منه بجَذْبةٍ، والانتفاع بالثوب باقٍ قائمٌ، فلا منع، والثوبُ الغسيل إن كان متماسكاً قويّاً لم ينته إلى حدّ الانسحاق، فهو مجزىٌ، نصّ عليه الشافعي والمحققون، ولا يشترط أن يكون الثوب جديداً، ويمكن أن يعتبر بقاء معظم التمتع به، والأسلم أن نقول: ما لا يعد خَلَقاً، فهو المجزىء، فهذا هو المعتمد في الباب.
وإن كان الثوب مرقعاً، فإن كان الترقيع للبلى، فلا إجزاء، وإن كانت الأرقعة متماسكة جديدة؛ فإن أطرافها لا تثبت على ثوب أُنهج بالياً، وستتقطع مواضع الخياطة على قربٍ، وإن كان الترقيع لغرض آخر لا للبلى أجزأت الكسوة، ولو كسا مسكيناً ثوباً لطيفاً مهلهل النسج غير بالٍ في حينه، ولكن مثله إذا لبس لا يدوم إلا دوام الثوب البالي، فيظهر أن نقول: لا يجزىء؛ نظراً إلى الإمتاع والاستمتاع.
فهذا بيان ما حضرنا، وخطر لنا في الكُسوة، والله أعلم وأحكم.

.باب: الصيام في كفارة الأيمان:

قال: "ومن وجب عليه صوم... إلى آخره".
11741- إذا عجز الحانث عن الخلال الثلاث المالية، وقد ذكرنا حد العجز، ومعتبره في كتاب الظهار؛ فإنه يصوم ثلاثة أيام بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
وهل يجب رعاية التتابُع فيها أم يجوز الإتيان بها مفرقة؟ فعلى قولين: قال في القديم: لابد من رعاية التتابُع، وقال في الجديد: لا يشترط التتابُع، بل له أن يفرق الصيام في الأيام، وقيل: كان ابن مسعود يقرأ: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات " وهذه القراءة لم يصححها القراء، فلا تعويل عليها.
وتوجيه القولين بعدها: من قال: لا يشترط التتابع، احتج بأن التتابع غيرُ مذكور في كتاب الله تعالى، فلا يجب إلا صيام ثلاثة أيام، ومن شرط التتابع، احتج بمسلك الشافعي في حمل المطلق على المقيد، فالصيام مطلق في هذه الآية مقيد بالتتابع في كفارة الظهار والقتل، والمطلق محمول على المقيد، ومن نصر القول الجديد أجاب بأن القضاء في الكتاب محمول على جواز التفريق، وصوم الكفارة متردد بين مقيد بالتتابع وبين محمول على التفريق، فالوجه الاكتفاء بالاسم.
ولناصر القول القديم أن يقول: حمل الكفارة على الكفارة أولى من حملها على. القضاء؛ فإن القضاء تِلو الأداء، وليس في الأداء تتابعٌ مستحق، وقد غلط مالك لما أوجب التتابع في القضاء، مَصيراً إلى أن التتابع مرعيٌّ في الأداء، والقضاءُ تِلوه؛ لأن ما تخيله في الأداء تتابع الزمان، لا تتابع معتبراً شرعاً؛ بدليل أن من أفسد اليومَ الأخير لم يفسد صومه فيما مضى.
هذا بيان القولين.
فإن لم نشترط التتابعَ، فلا كلام، والخِيَرةُ إلى الصائم، وإن شرطنا التتابع، فقد قدمنا في كتاب الظهار ما يُبطل التتابع قولاً واحداً، وما لا يبطله، وما اختلف الأصحاب فيه: كالمرض والسفر، ونحن نقول هاهنا: ما يقطع تتابع الشهرين فهو بأن يقطع تتابع الصيام في الأيام الثلاثة أولى؛ فإن إيقاع الأيام الثلاثة بعيدةً عن أسباب القطع ممكن، وإن كان قد يتعذر في الشهرين.
وقد قطع الأصحاب بأن الحيض لا يقطع التتابع في الشهرين، واختلفوا في أنه هل يقطع التتابع في الأيام الثلاثة؛ والسبب في ذلك أنها تتمكن من تبعيد الأيامِ الثلاثة من نوبة حيضها؛ فإن لم تفعل، انتسبت إلى التقصير، والشهران لا يخلوان في الغالب في حق ذات الحيض من الحيض، ولعل الأصح أن الحيض يقطع التتابع؛ فإنها متمكنة من تخيّر أيامٍ لا يفرض فيها حيض، بأن تترك نوبتها من الحيض حتى تنقضي، ثم تصوم الثلاثةَ الأيام في مدّة لا يتوقع فيها معاودة الحيض.
وقد يتجه أن نقول: الحيض على هذا التقدير والتصوير أولى بقطع التتابع من المرض، وإن كان الحيض يقطع تتابع الشهرين وفي المرض قولان؛ فإن المتبع المعاني لا الصور.